أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
230
العقد الفريد
عبيد الطمع ، حلفاء الجزع ؛ نعم ما ورّثكم آباؤكم لو حفظتموه ، وبئس ما تورّثون أبناءكم إن تمسكوا به ! نصر اللّه آباءكم على الحق ، وخذلكم على الباطل ؛ كان عدد آبائكم قليلا طيّبا وعددكم كثير خبيث ؛ اتبعتم الهوى فأرداكم واللهو فأسهاكم ، ومواعظ القرآن تزجركم فلا تزدجرون ، وتعبّركم فلا تعتبرون ، سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فقلتم : واللّه ما فيهم الذي يعدل ؛ أخذوا المال من غير حلّه ، فوضعوه في غير حقه ؛ وجاروا في الحكم ، فحكموا بغير ما أنزل اللّه ؛ واستأثروا بفيئنا ؛ فجعلوه دولة بين الأغنياء منهم ، وجعلوا مقاسمنا وحقوقنا في مهور النساء وفروج الإماء . وقلنا لكم : تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظلموكم ، وجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل اللّه . فقلتم : لا نقوى على ذلك ، ووددنا أنا أصبنا من يكفينا ، فقلنا : نحن نكفيكم . ثم اللّه راع علينا وعليكم ، إن ظفرنا لنعطينّ كلّ ذي حق حقه ؛ فجئنا فاتقينا الرماح بصدورنا ، والسيوف بوجوهنا ، فعرضتم لنا دونهم ، فقاتلتمونا ، فأبعدكم اللّه ؛ فو اللّه لو قلتم لا نعرف الذي تقول ولا نعلمه لكان أعذر ؛ مع أنه لا عذر للجاهل ، ولكن أبى اللّه إلا أن ينطق بالحق على ألسنتكم ويأخذكم به في الآخرة . ثم قال : الناس منا ونحن منهم ، إلا ثلاثة : حاكما جاء بغير ما أنزل اللّه ، أو متبعا له ، أو راضيا بعمله . أسقطنا في هذه الخطبة ما كان من طعنه على الخلفاء ، فإنه طعن فيها على عثمان وعلي بن أبي طالب رضوان اللّه عليهما ، وعمر بن عبد العزيز ، ولم يترك من جميع الخلفاء إلا أبا بكر وعمر ، وكفّر من بعدهما ، فلعنة اللّه عليه ؛ إلا أنه ذكر من الخلفاء رجلا أصغى إلى الملاهي والمعازف وأضاع أمر الرعية فقال : كان فلان ابن فلان من عدد الخلفاء عندكم ، وهو مضيّع للدين والدنيا ، اشتري له بردان بألف دينار ائتزر بأحدهما والتحف بالآخر ، وأقعد حبّابة عن يمينه ، وسلامة عن يساره ، فقال : يا حبابة غنيني ، ويا سلامة استقيني ؛ فإذا امتلأ سكرا وازدهى طربا شق ثوبيه وقال : ألا أطير ؟ فطر إلى النار وبئس المصير ! فهذه صفة خلفاء اللّه تعالى .